محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

1005

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قوله تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ قرأ عاصم وابن عامر بفتح الراء وهي لغة بني تميم ، وقرأ الباقون بضمّ الراء وأصله المرتفع من الأرض . أَصابَها وابِلٌ أي مطر شديد . فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والباقون ( 413 آ ) بالتثقيل ؛ والأكل الثمر ، والأكل الرزق . قال : حملت في سنة من الثمر ما حمل مثلها في سنتين ؛ وقال عكرمة : حملت في سنة كرّتين . فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي قطر وهو المطر الضعيف ؛ وقال السدّي : هو الندى ؛ وقال أهل المعاني : هو مثل ضربه اللّه تعالى لعمل المؤمن المخلص أنّه يثمر بالثواب سواء قلّ عمله أو كثر ؛ وقال الفرّاء : فيه اقتصار ، أي فإن لم يصبها وابل أصابها طلّ . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الإخلاص والرياء والصدق والنفاق يجازيكم على قدر نيّاتكم في الأعمال . الأسرار قال الذين يبتغون مرضاة اللّه : لمّا ذكر الربّ خصلتين تبطلان الصدقات وهما المنّ والأذى في القول أو الرياء والنفاق في القلب ذكر تعالى بعدهما خصلتين يضاعفان الصدقات وهما ابتغاء مرضاة اللّه والتثبيت في النفس ؛ فيرتفع المنّ والأذى بابتغاء مرضات اللّه ، ويزول الرياء والنفاق بالتثبيت في النفس وهو الصدق والإخلاص والتحقيق واليقين . ثمّ تطبيق المثل على الممثول به أنّ الإنفاق في سبيل اللّه كمثل جنّة بربوة ، والجنّة بالربوة أزكى وأنمى من الجنّة في الوهدة ؛ وكما أنّ الإنفاق خصلة من خصال النفس السخية والهمّة العالية كذلك الحبّة بالربوة العالية تزكو وتنمو إذا أصابها وابل أو طلّ . شبّه الإنفاق والجود والسخاء بالأشجار المثمرة التي هي الجنّة ، والنفس العلية السخية بالربوة العالية وابتغاء مرضاة اللّه بالوابل ، والتثبيت من النفس بالطلّ والأكل ضعفين هو الثواب المضاعف واللّه يضاعف لمن يشاء . وسرّ آخر : ولك أن تنتبه من هذا المثل فتعلم كيف تشخّصت الأعمال الجسدانية والأخلاق النفسانية أشخاصا في ذلك العالم كما كنت تعلم كيف تشخّصت المعاني